سفارة المغرب تتابع الموضوع عن كثب والحادث يتسبب في احتجاجات وأعمال عنف في بولونيا
لم تقتصر تداعيات وفاة المهاجر المغربي عبد الرحيم فاكر خلال توقيفه من قبل الشرطة الإيطالية على فتح تحقيق قضائي، بل سرعان ما تحولت إلى موجة احتجاجات وغضب اجتاحت مدينة بولونيا وأعادت إشعال الجدل في إيطاليا بشأن عنف الشرطة وسياسات الهجرة.
وأثار مقطع فيديو وثق اللحظات الأخيرة من حياة الرجل، وهو يستغيث طالبا المساعدة بينما كان مكبلا على الأرض، صدمة واسعة داخل الأوساط الحقوقية والسياسية، ودفع مئات المتظاهرين إلى النزول إلى الشوارع للمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
وبينما تعهدت السلطات بإجراء تحقيق شفاف، انقسم المشهد السياسي بين من دافع عن أداء قوات الأمن ومن اعتبر الحادثة نتيجة مباشرة لسياسات حكومية تتسم بالتشدد تجاه المهاجرين، لتتحول القضية من واقعة جنائية إلى اختبار جديد لعلاقة الدولة بأجهزتها الأمنية، ولمدى التزامها بحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون.
سهيلة التاور
أعادت وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فاكر خلال عملية توقيف نفذتها الشرطة الإيطالية في مدينة بولونيا فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في إيطاليا، وهو ملف استخدام القوة من قبل أجهزة الأمن في التعامل مع المهاجرين والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية. فالحادثة، التي وثقها مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع، لم تتحول إلى قضية جنائية فحسب، بل سرعان ما أصبحت قضية رأي عام أشعلت سجالا سياسيا وحقوقيا حادا، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول طبيعة السياسات الأمنية التي تنتهجها الحكومة اليمينية برئاسة جورجيا ميلوني، ومدى التزام الشرطة بالمعايير القانونية والإنسانية أثناء تنفيذ عمليات التوقيف.
وتوفي عبد الرحيم فاكر، البالغ من العمر 42 عاما، الأحد الماضي في مدينة بولونيا شمال إيطاليا، أثناء عملية توقيف نفذها عنصران من الشرطة بعد تلقي بلاغ من سكان الحي يفيد بأن رجلا يتصرف بطريقة عدائية. إلا أن تفاصيل ما جرى خلال الدقائق التالية، وما وثقته كاميرا أحد السكان، قلبت الحادثة إلى قضية أثارت اهتمام الإعلام الإيطالي والدولي، وسط مطالب واسعة بإجراء تحقيق مستقل وكشف الحقيقة كاملة.
فيديو يوثق اللحظات الأخيرة
أظهر المقطع المصور، الذي استمر لأكثر من خمس دقائق، فاكر وهو مثبت على الأرض من قبل شرطيين، بينما كان يصرخ مرارا باللغة الإيطالية: "آيُوتو، آيُوتو، باستا" أي "ساعدوني... ساعدوني... هذا يكفي". وبدا الرجل وهو يستغيث في الوقت الذي واصل فيه الشرطيان تقييده، بينما كان المسعفون يقفون في المكان قبل أن يباشروا لاحقا قياس مؤشراته الحيوية.
وأثار المشهد صدمة واسعة بسبب تشابهه مع وقائع سابقة شهدتها دول أخرى، وفي مقدمتها حادثة مقتل الأمريكي جورج فلويد عام 2020، إذ رأى كثيرون أن الرجل ظل يطلب النجدة دون أن يتلقى استجابة كافية، الأمر الذي جعل وسائل إعلام إيطالية ودولية تصف الواقعة بأنها "جورج فلويد الإيطالي".
وذكرت وكالة الأنباء الإيطالية "أنسا" أن الشرطة استخدمت أيضا رذاذ الفلفل بعد وصول عناصرها إلى المكان، عقب قيام فاكر بضرب إحدى سيارات الدورية، قبل أن يتم تكبيله وينهار لاحقا ويفارق الحياة.
تحقيق قضائي بشبهة القتل غير العمد
أمام اتساع دائرة الجدل، أعلنت النيابة العامة في بولونيا فتح تحقيق رسمي بشبهة القتل غير العمد، في خطوة تهدف إلى تحديد المسؤوليات الجنائية المحتملة وكشف الأسباب الدقيقة للوفاة.
وأدرجت النيابة أسماء ستة أشخاص في سجل الإجراءات الأولية، بينهم شرطيان شاركا في عملية التوقيف، إضافة إلى أربعة من أفراد طاقم سيارة الإسعاف الذين حضروا إلى المكان. ويأتي هذا الإجراء في إطار التحقيقات الأولية التي تسبق تحديد المسؤوليات، بانتظار نتائج التشريح الطبي والفحوص التقنية والتحريات التي يجريها المحققون.
كما سلمت الشرطة للمحققين تسجيلات الكاميرات المثبتة على زي أحد العنصرين المشاركين في العملية، في محاولة لإعادة بناء تسلسل الأحداث بدقة، بينما لم يعلن حتى الآن عن اتخاذ أي إجراءات تأديبية بحق الشرطيين.
ويأمل المحققون في أن تكشف نتائج الطب الشرعي السبب المباشر للوفاة، وما إذا كانت هناك عوامل صحية سابقة ساهمت فيها، خاصة بعدما أشارت تقارير إعلامية إلى أن فاكر كان يعاني مشكلات في القلب والربو، فيما أفادت الشرطة للمسعفين بأنه كان يمر بما وصفته بـ"نوبة نفسية".
عائلة الضحية: الشرطة كان يفترض أن تحميه
شكلت تصريحات أفراد عائلة عبد الرحيم فاكر أحد أكثر الجوانب تأثيرا في القضية، إذ عبرت شقيقته خديجة عن صدمتها مما حدث، مؤكدة أن شقيقها لم يكن يستحق أن تكون نهايته بهذه الطريقة.
وقالت في تصريحات لصحيفة "كورييري ديلا سيرا": "لا يمكن لأحد أن يموت بهذه الطريقة"، مضيفة أن مهمة الشرطة هي حماية المواطنين لا تعريض حياتهم للخطر. وأضافت أن الشخص إذا كان يعاني اضطرابا أو أزمة نفسية فيجب تهدئته وتقديم المساعدة له، وليس التعامل معه بطريقة تنتهي بوفاته.
كما كشفت المحامية باربارا سبينيلي، التي سبق أن التقت فاكر العام الماضي أثناء مساعدته في إجراءات تجديد إقامته، أنه كان يقيم في إيطاليا بصورة قانونية، ووصفته بأنه شخص محترم ومتعلم ولطيف، لكنه كان يعيش حالة قلق من احتمال ترحيله.
وقالت إن أكثر ما يؤلمها اليوم أنها كانت تطمئنه دائما بأن إيطاليا دولة ديمقراطية تحترم فيها الشرطة القانون، معربة عن خشيتها من أن تؤدي هذه الحادثة إلى تراجع ثقة المهاجرين في مؤسسات الدولة.
احتجاجات وغضب في الشارع
لم يقتصر الغضب على عائلة الضحية، بل خرج مئات الأشخاص في تظاهرة بمدينة بولونيا للمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها "العدالة والحقيقة لعبد الرحيم فاكر" و"قتلة رسميون"، معتبرين أن الحادثة تعكس مشكلة أوسع تتعلق باستخدام القوة من قبل أجهزة الأمن، خاصة في التعامل مع المهاجرين والفئات الهشة.
وتحولت القضية بسرعة إلى محور نقاش واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشر الفيديو بشكل كبير، فيما طالب ناشطون حقوقيون بإجراء تحقيق مستقل يضمن الشفافية الكاملة ويبدد أي شكوك حول مجريات الواقعة.
انقسام سياسي حاد
سرعان ما امتد الجدل إلى الساحة السياسية، حيث تبادلت الحكومة والمعارضة الاتهامات بشأن المسؤولية عن المناخ الذي أدى إلى مثل هذه الحوادث.
وشنت النائبة إلاريا كوتشي، المنتمية إلى تحالف الخضر واليسار المعارض، هجوما شديدا على حكومة جورجيا ميلوني، معتبرة أن الخطاب السياسي الذي تتبناه الحكومة، والقائم على التشدد في ملف الهجرة، ساهم في ترسيخ مناخ من الكراهية والعنصرية والعنف.
وقالت كوتشي، التي فقدت شقيقها خلال احتجازه عام 2009، إنها شعرت بالاشمئزاز من رسائل التضامن والشكر التي وجهها بعض المسؤولين لعناصر الشرطة قبل انتهاء التحقيقات، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لكشف الحقيقة وليس الدفاع المسبق عن المتورطين.
من جهته، قال فرانشيسكو بوتشا، رئيس الحزب الديمقراطي المنتمي إلى يسار الوسط، إن إيطاليا ليست المكان المناسب لاستيراد نموذج وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية "آيس"، مؤكدا أن المؤسسات الديمقراطية الإيطالية يجب أن تظل الضامن الأساسي لاحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
في المقابل، دافعت أحزاب الائتلاف الحاكم بقوة عن رجال الشرطة، إذ أكد نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني أن العناصر الأمنية كانت تؤدي واجبها، فيما أشاد غالياتسو بينامي، رئيس كتلة حزب "إخوة إيطاليا"، بما وصفه بالسلوك المهني الذي أظهره الشرطيان أثناء التدخل.
أما وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوسي فدعا إلى انتظار نتائج التحقيق، معتبرا أن توجيه الإهانات إلى الشرطة قبل انتهاء الإجراءات القضائية يعكس عدم الثقة في مؤسسات إنفاذ القانون والقضاء.
قضية تتجاوز حدود الحادثة
يرى كثير من المراقبين أن وفاة عبد الرحيم فاكر لم تعد مجرد حادثة فردية، بل أصبحت تعكس الانقسام العميق الذي تعيشه إيطاليا بشأن قضايا الهجرة والأمن وحقوق الإنسان.
ففي السنوات الأخيرة تبنت حكومة جورجيا ميلوني سياسات أكثر تشددا في مكافحة الهجرة غير النظامية، وأقرت إجراءات تهدف إلى الحد من تدفقات المهاجرين، وهو ما أثار انتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة التي تتهم الحكومة بتغذية خطاب معاد للمهاجرين.
ولذلك لم يكن مستغربا أن تعود المقارنات مع أساليب وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية "آيس"، خاصة بعدما رأى معارضون أن الحادثة تعكس توجها نحو استخدام وسائل أكثر صرامة في التعامل مع المهاجرين.
وفي المقابل، يرفض أنصار الحكومة هذه الاتهامات، مؤكدين أن عناصر الشرطة تواجه يوميا مواقف معقدة وخطرة، وأن إصدار الأحكام قبل انتهاء التحقيقات يمثل ظلما للأجهزة الأمنية التي تقوم بواجبها في حفظ النظام.
مؤطر
السفارة تتابع التطورات وتقدم الدعم المعنوي لأسرة الفقيد
أعلنت سفارة المملكة المغربية بإيطاليا، أول أمس الإثنين، أنها تتابع بـ «أقصى درجات الاهتمام والانشغال» تطورات قضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فاكر بمدينة بولونيا، مؤكدة حرصها على كشف كافة ملابسات الحادثة التي هزت الجالية المغربية والرأي العام المحلي.
وفي بلاغ رسمي صادر عنها، أوضح سفير المملكة بإيطاليا أنه تم، منذ اللحظات الأولى، توجيه تعليمات صارمة للقنصلية العامة للمملكة المغربية المختصة ترابياً، بهدف تقديم كافة أشكال الدعم المعنوي لأسرة الفقيد وتوفير المساعدة القنصلية اللازمة في هذه الظروف الاستثنائية.
كما أكد البلاغ أن المصالح الدبلوماسية المغربية في تواصل دائم ومستمر مع السلطات القضائية الإيطالية المكلفة بالبحث، وذلك في إطار الاحترام التام للاتفاقيات الدولية والنظام القانوني الإيطالي المعمول به.
وشددت السفارة في بلاغها على أن «مصلحة الجميع تكمن في كشف الحقيقة كاملة بشأن هذه المأساة»، داعية إلى تحديد المسؤوليات بدقة، حياد، وشفافية. وفي الوقت ذاته، جددت السفارة «ثقتها الكاملة» في نزاهة القضاء الإيطالي، معربة عن قناعتها بأن التحقيقات الجارية ستفضي إلى تبيان ظروف الوفاة بشكل جلي.
وعلى إثر ذلك، سارعت النيابة العامة في بولونيا بفتح تحقيق قضائي معمق، حيث تم إدراج ستة أشخاص في سجل المشتبه فيهم للتحقيق في مدى مسؤوليتهم عن الحادث. ويتعلق الأمر بشرطيين من مفوضية «بونتيفيكيو» بمدينة بولونيا، بالإضافة إلى أربعة مسعفين شاركوا في تقديم الإسعافات الأولية للضحية أثناء التدخل.
واختتمت السفارة بلاغها بتقديم أحر التعازي وصادق المواساة لأسرة الفقيد عبد الرحيم فاكر، معبرة عن تضامنها المطلق معهم في هذا المصاب الجلل الذي ألمّ بالجالية المغربية في إيطاليا.